Adeebzi
10-17-2008, 08:32 PM
الفنان الراحل محمود موسى
209
سيرة فنان
في الإسكندرية المدينة المصرية التي يبدو السحر قرينها ولد محمود موسي في العام1913 لأسرة بسيطة يعمل عائلها مع المهندسين الأجانب العاملين في مجال الفورم المعمارية وأشكال الجص والكرانيش التي كانت تزين بها واجهات القصور والفيلات ومنذ طفولته تفتحت عيناه علي أيادي والده وهي تروض هذه المواد وتصنع منها أشكالا جمالية ومعمارية لافتة وكما يليق بأسرة فقيرة ورث الابن مهنة والده ال' فارموتوري' لكن ولعه بالحجر كان يخبيء له مصيرا مختلفا, فلم يقف عند حدود صب الأشكال المعتمدة في هذه المهنة وإنما امتد الي حد ابتكار أشكال جديدة قوامها نحت التماثيل الصغيرة وصبها في قوالب الجص أو صناعة الكثير من الأقنعة المستوحاة من الطيور والحيوانات لكن أصابعه لم تعرف الطريق إلي التمثال الكامل وكلما كبر عاما كانت تكبر معه نظرات الإعجاب في عيون الأجانب المسيطرين تماما علي هذه المهنة في المدينة الكوزموبوليتانية العريقة والتي كانت تعيش بدروها مناخا فنيا استثنائيا وكان مواطنوها لا يجدون أية غرابة في التعايش مع الجمال فالإبداع طقس جماعي يدفع فنانها العظيم محمود سعيد لترك منصة القضاء والتفرغ للفن, ليس هذا فقط وإنما افتتاح مرسم مسائي لاستقبال الهواة وأبرز هؤلاء محمود موسي الذي جاءه فقيرا من كل شيء إلا موهبته, تلك الموهبة التي لفتت نظر المثال الكبير محمود مختار حين رأي أعماله وقال له بيقين نادر' سوف تصبح مثالا عظيما' ويبدو أن طاقة اليقين التي كانت تسكن حروف هذه الجملة جعلت موسي يطمئن إلي موهبته ويبحث لها عن طريق بعيد عن الاشتغال في' المعمار' وفي تلك الفترة تعرف علي المهندس المعماري نيقولا بيرس وهو مهندس يوناني درس في' باريس وتحديدا في' البوزار' التي درس فيها محمود مختار وكان من بين من عاونوه في صب قواعد تماثيله في القاهرة والاسكندرية كما تعرف موسي في الفترة ذاتها علي الفنان هايز ميشيل الذي تولي إعداده ورعايته وشجعه علي المشاركة في معرض أقيم بقصر' الكونت زغيب' في ميدان التحرير وكانت هذه هي الخطوة الأولي في مسيرة محمود موسي كنحات أما الخطوة الثانية فقد كانت بطلتها هدي هانم شعراوي التي زارت صالون النحت عام1932 ووجدت عملاأعجبها من أعمال موسي حتي إنها أرسلت في طلبه للمجيء إلي القاهرة وعندما جاء طلبت منه العمل علي سبيل التشجيع في مصنع للخزف كانت تملكه في شبرا وفي نفس الوقت بدأ دراسة النحت دراسة شبه منظمة كما بدأ يتعلم اللغات الأجنبية
بورترية من الفخار
وحاولت هدي شعراوي إلحاقه بكلية الفنون الجميلة لكنها فشلت لأنه لم يكن حاصلا علي شهادة الابتدائية.
وبسبب فشله في تحقيق هذا الحلم عاد من جديد إلي الاسكندرية ونجح بدعم من هايز ميشيل في الحصول علي مرسم من أتيليه الاسكندرية ليكون بذلك أول فنان مصري يحظي بهذا التقدير وكان ذلك في العام1940. ومنذ هذا التاريخ وحتي وفاته تفرغ تماما للفن. والغريب في سيرة محمود موسي بعد ذلك هو تكليفه للعمل كأستاذ بكلية الفنون التي أنشئت في الإسكندرية عام1957 وهو الذي فشل في الالتحاق طالبا بالكلية في القاهرة لكن المثال أحمد عثمان الذي دعاه للعمل في قسم النحت كان يعرف قيمته الفنية أما الفنان الراحل فيسخر كلما تذكر هذه المفارقة ويضحك مع تلاميذه الذين تعلموا علي يديه ومنهم عصمت داوستاشي وأحمد سطوحي وغيرهم. وكان الراحل من أوائل الفنانين الذين حصلوا علي منحة التفرغ واستمر فيها منذ العام1963 وحتي عام1975 وخلال هذه الفترة أنجز مجموعة من الأعمال الفنية الخالدة ومنها' تمثال سيد درويش الموجود حاليا بحديقة الخالدين بالإسكندرية' نحت بارز علي الرخام بمدخل البنك الأهلي بالقاهرة ونحت بارز بمبني أخبار اليوم وتماثيل ومنحوتات أخري في كنيسة الجزويت بالاسكندرية وفندق شيراتون ومطار القاهرة وتمثال قناة السويس الذي يحمل اسم القناة والذي يراه المتخصصون بدايه نقلة نوعية في فن النحت المصري بعد محمود مختار وله أيضا تمثال شهير في ساحة بورتاروزا بيوغوسلافيا التي تضم أعمالا لأشهر فناني العالم وقد كرم محمود موسي خلال حياته أكثر من مرة فقد حصل علي جائزة بينالي الإسكندرية الأول تم تكريمه في سمبوزيوم النحت الدولي بأسوان عام2001 وفي بينالي الإسكندرية الواحد والعشرين مع صلاح عبد الكريم وجمال السجيني.
جمال اللمس الخفيف
وكما في معظم أعماله تعكس الأعمال المعروضه في' خان المغربي' لمحمود موسي عالمه الأساسي فيركز علي مظاهر الحياة اليومية وعناصرها الحميمة خاصة الحيوانات المستأنسة كما نراها في الأحياء الشعبية الماعز والقطط والأطفال والبسطاء وتتميزهذه الأعمال بمجموعة سمات أساسية يؤكد عليها النقاد الدارسون أبرزها تأثره بالنحت الفرعوني الغائر والبارز مع تمكن حرفي أساسه سنوات العمل الأولي مع فناني المعمار الإيطاليين فضلا عن مسألة العناية بالكتلة والتعاطف معها وترويضها دون عنف وتبرز في منحوتاته أيضا قضية' مساءلة الكلاسيكية الجديدة' كما يسميها إداور الخراط وهو يتحدث عن الرصانة الراسخة بأعماله والهوس بمحاكاة الواقع حتي تغيب تماما هذه المحاكاة مع حوار الفنان مع الكتلة الجرانيتية أو البازلتية وهو حوار يكسب العمل حياة خاصة يصبح معه قادرا علي الحياة في محيط جمالي خاص ناعم وقوي في الوقت نفسه وأكثر من ذلك له القدرة علي تحدي الفراغ*
مات مثال مصر العظيم محمود موسي(2003-1913) في يناير الماضي ولم يستشعر خسارة موته إلا محبوه الذين يعرفون قيمة كل الأيادي الذكية التي تروض الكتلة وتصالح الفراغ, مات فحزنت الإسكندرية لأنها فقدت رمزا من رموزها أما القاهرة فكان عليها أن تتدبر أمرها وتستعيد سيرة الفنان الذي هرب يوما من زحامها لأنها لم تعطه إلا الوعود الكاذبة, وأملا مات صاحبه وهو يسخر من سطوة الوقوع تحت غوايته وفي الفن كلنا ضحايا للغواية, وبمحبة لا نجرؤ علي إنكارها نرفع رايات التسليم أمام كل جمال و بالنسبة لي ليس أجمل من رؤية حجر ضاعت قسوته بين يدي فنان له تلك اللمسة العبقرية التي تخرج من روحه نقطة نور تمنح أحجاره شيئا أبعد من معني الخلود.
وأعمال محمود موسي التي تعرض الآن في جاليري' خان المغربي' بضاحية الزمالك في أول معرض استعادي يقام بعد وفاته هي دليل علي ما أقول, فلا وجود فيها لأي قسوة, وكلها ليست ألا أناشيد للحنين تعكس سيرة صاحبها وحيرته وقلقه الوجودي وعصاميته التي تبدو للعارفين مثل قصة من قصص سينما الأربعينيات بينما يبدو صاحبها مثل أبطال الدراما الإغريقية حائرا بين قدر محتوم وذاهب إلي مصير عنوانه المغامرة والبحث عن لؤلؤة المستحيل.
209
سيرة فنان
في الإسكندرية المدينة المصرية التي يبدو السحر قرينها ولد محمود موسي في العام1913 لأسرة بسيطة يعمل عائلها مع المهندسين الأجانب العاملين في مجال الفورم المعمارية وأشكال الجص والكرانيش التي كانت تزين بها واجهات القصور والفيلات ومنذ طفولته تفتحت عيناه علي أيادي والده وهي تروض هذه المواد وتصنع منها أشكالا جمالية ومعمارية لافتة وكما يليق بأسرة فقيرة ورث الابن مهنة والده ال' فارموتوري' لكن ولعه بالحجر كان يخبيء له مصيرا مختلفا, فلم يقف عند حدود صب الأشكال المعتمدة في هذه المهنة وإنما امتد الي حد ابتكار أشكال جديدة قوامها نحت التماثيل الصغيرة وصبها في قوالب الجص أو صناعة الكثير من الأقنعة المستوحاة من الطيور والحيوانات لكن أصابعه لم تعرف الطريق إلي التمثال الكامل وكلما كبر عاما كانت تكبر معه نظرات الإعجاب في عيون الأجانب المسيطرين تماما علي هذه المهنة في المدينة الكوزموبوليتانية العريقة والتي كانت تعيش بدروها مناخا فنيا استثنائيا وكان مواطنوها لا يجدون أية غرابة في التعايش مع الجمال فالإبداع طقس جماعي يدفع فنانها العظيم محمود سعيد لترك منصة القضاء والتفرغ للفن, ليس هذا فقط وإنما افتتاح مرسم مسائي لاستقبال الهواة وأبرز هؤلاء محمود موسي الذي جاءه فقيرا من كل شيء إلا موهبته, تلك الموهبة التي لفتت نظر المثال الكبير محمود مختار حين رأي أعماله وقال له بيقين نادر' سوف تصبح مثالا عظيما' ويبدو أن طاقة اليقين التي كانت تسكن حروف هذه الجملة جعلت موسي يطمئن إلي موهبته ويبحث لها عن طريق بعيد عن الاشتغال في' المعمار' وفي تلك الفترة تعرف علي المهندس المعماري نيقولا بيرس وهو مهندس يوناني درس في' باريس وتحديدا في' البوزار' التي درس فيها محمود مختار وكان من بين من عاونوه في صب قواعد تماثيله في القاهرة والاسكندرية كما تعرف موسي في الفترة ذاتها علي الفنان هايز ميشيل الذي تولي إعداده ورعايته وشجعه علي المشاركة في معرض أقيم بقصر' الكونت زغيب' في ميدان التحرير وكانت هذه هي الخطوة الأولي في مسيرة محمود موسي كنحات أما الخطوة الثانية فقد كانت بطلتها هدي هانم شعراوي التي زارت صالون النحت عام1932 ووجدت عملاأعجبها من أعمال موسي حتي إنها أرسلت في طلبه للمجيء إلي القاهرة وعندما جاء طلبت منه العمل علي سبيل التشجيع في مصنع للخزف كانت تملكه في شبرا وفي نفس الوقت بدأ دراسة النحت دراسة شبه منظمة كما بدأ يتعلم اللغات الأجنبية
بورترية من الفخار
وحاولت هدي شعراوي إلحاقه بكلية الفنون الجميلة لكنها فشلت لأنه لم يكن حاصلا علي شهادة الابتدائية.
وبسبب فشله في تحقيق هذا الحلم عاد من جديد إلي الاسكندرية ونجح بدعم من هايز ميشيل في الحصول علي مرسم من أتيليه الاسكندرية ليكون بذلك أول فنان مصري يحظي بهذا التقدير وكان ذلك في العام1940. ومنذ هذا التاريخ وحتي وفاته تفرغ تماما للفن. والغريب في سيرة محمود موسي بعد ذلك هو تكليفه للعمل كأستاذ بكلية الفنون التي أنشئت في الإسكندرية عام1957 وهو الذي فشل في الالتحاق طالبا بالكلية في القاهرة لكن المثال أحمد عثمان الذي دعاه للعمل في قسم النحت كان يعرف قيمته الفنية أما الفنان الراحل فيسخر كلما تذكر هذه المفارقة ويضحك مع تلاميذه الذين تعلموا علي يديه ومنهم عصمت داوستاشي وأحمد سطوحي وغيرهم. وكان الراحل من أوائل الفنانين الذين حصلوا علي منحة التفرغ واستمر فيها منذ العام1963 وحتي عام1975 وخلال هذه الفترة أنجز مجموعة من الأعمال الفنية الخالدة ومنها' تمثال سيد درويش الموجود حاليا بحديقة الخالدين بالإسكندرية' نحت بارز علي الرخام بمدخل البنك الأهلي بالقاهرة ونحت بارز بمبني أخبار اليوم وتماثيل ومنحوتات أخري في كنيسة الجزويت بالاسكندرية وفندق شيراتون ومطار القاهرة وتمثال قناة السويس الذي يحمل اسم القناة والذي يراه المتخصصون بدايه نقلة نوعية في فن النحت المصري بعد محمود مختار وله أيضا تمثال شهير في ساحة بورتاروزا بيوغوسلافيا التي تضم أعمالا لأشهر فناني العالم وقد كرم محمود موسي خلال حياته أكثر من مرة فقد حصل علي جائزة بينالي الإسكندرية الأول تم تكريمه في سمبوزيوم النحت الدولي بأسوان عام2001 وفي بينالي الإسكندرية الواحد والعشرين مع صلاح عبد الكريم وجمال السجيني.
جمال اللمس الخفيف
وكما في معظم أعماله تعكس الأعمال المعروضه في' خان المغربي' لمحمود موسي عالمه الأساسي فيركز علي مظاهر الحياة اليومية وعناصرها الحميمة خاصة الحيوانات المستأنسة كما نراها في الأحياء الشعبية الماعز والقطط والأطفال والبسطاء وتتميزهذه الأعمال بمجموعة سمات أساسية يؤكد عليها النقاد الدارسون أبرزها تأثره بالنحت الفرعوني الغائر والبارز مع تمكن حرفي أساسه سنوات العمل الأولي مع فناني المعمار الإيطاليين فضلا عن مسألة العناية بالكتلة والتعاطف معها وترويضها دون عنف وتبرز في منحوتاته أيضا قضية' مساءلة الكلاسيكية الجديدة' كما يسميها إداور الخراط وهو يتحدث عن الرصانة الراسخة بأعماله والهوس بمحاكاة الواقع حتي تغيب تماما هذه المحاكاة مع حوار الفنان مع الكتلة الجرانيتية أو البازلتية وهو حوار يكسب العمل حياة خاصة يصبح معه قادرا علي الحياة في محيط جمالي خاص ناعم وقوي في الوقت نفسه وأكثر من ذلك له القدرة علي تحدي الفراغ*
مات مثال مصر العظيم محمود موسي(2003-1913) في يناير الماضي ولم يستشعر خسارة موته إلا محبوه الذين يعرفون قيمة كل الأيادي الذكية التي تروض الكتلة وتصالح الفراغ, مات فحزنت الإسكندرية لأنها فقدت رمزا من رموزها أما القاهرة فكان عليها أن تتدبر أمرها وتستعيد سيرة الفنان الذي هرب يوما من زحامها لأنها لم تعطه إلا الوعود الكاذبة, وأملا مات صاحبه وهو يسخر من سطوة الوقوع تحت غوايته وفي الفن كلنا ضحايا للغواية, وبمحبة لا نجرؤ علي إنكارها نرفع رايات التسليم أمام كل جمال و بالنسبة لي ليس أجمل من رؤية حجر ضاعت قسوته بين يدي فنان له تلك اللمسة العبقرية التي تخرج من روحه نقطة نور تمنح أحجاره شيئا أبعد من معني الخلود.
وأعمال محمود موسي التي تعرض الآن في جاليري' خان المغربي' بضاحية الزمالك في أول معرض استعادي يقام بعد وفاته هي دليل علي ما أقول, فلا وجود فيها لأي قسوة, وكلها ليست ألا أناشيد للحنين تعكس سيرة صاحبها وحيرته وقلقه الوجودي وعصاميته التي تبدو للعارفين مثل قصة من قصص سينما الأربعينيات بينما يبدو صاحبها مثل أبطال الدراما الإغريقية حائرا بين قدر محتوم وذاهب إلي مصير عنوانه المغامرة والبحث عن لؤلؤة المستحيل.